مكتب معتز الشريدة للمحاماة
ما أصاب أحدًا قط همٌّ و لا حزنٌ ، فقال :
اللهمَّ إني عبدُك ، و ابنُ عبدِك ، و ابنُ أَمَتِك،
ناصيتي بيدِك ، ماضٍ فيَّ حكمُك ، عدلٌ فيَّ قضاؤُك ،
أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك ، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك ،
أو أنزلتَه في كتابِك ، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك ،
أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي ، و نورَ صدري ، و جلاءَ حزني ، و ذَهابَ همِّي ،
إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ و حزنَه ، و أبدلَه مكانَه فرجًا
قال : فقيل : يا رسولَ اللهِ ألا نتعلَّمُها ؟ فقال بلى ، ينبغي لمن سمعَها أن يتعلَّمَها
الدرر السنية
الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة
الصفحة أو الرقم: 199 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
التخريج : أخرجه أحمد (3712) واللفظ له، وابن حبان (972)، والطبراني (10/210) (10352) باختلاف يسير.

الهجرة النبوية.. مشروع حضاري لصناعة الإنسان وبناء الدولة

المحامي معتز الشريدة avatar
المحامي الشرعي •
الهجرة النبوية.. مشروع حضاري لصناعة الإنسان وبناء الدولة

قراءة تحليلية في مقال سماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ نهار الربطة

مع إطلالة العام الهجري الجديد، تتجدد في الوجدان الإسلامي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، الحدث الذي لم يكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بل تحولًا تاريخيًا أسس لقيام دولة، وصاغ نموذجًا حضاريًا متكاملًا في بناء الإنسان والمجتمع.

وفي هذا السياق، يقدم سماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ نهار الربطة رؤية فكرية عميقة للهجرة النبوية، تتجاوز حدود السرد التاريخي إلى استقراء أبعادها الحضارية والقيمية، باعتبارها مشروعًا مستمرًا للإصلاح والتغيير والتنمية الإنسانية.

الهجرة النبوية.. من حدث تاريخي إلى منهج حضاري

يركز المقال على أن الهجرة النبوية تمثل نقطة التحول الكبرى في مسيرة الدعوة الإسلامية؛ إذ انتقلت الرسالة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة، ومن دائرة التلقي إلى فضاء المسؤولية وصناعة الحضارة.

ويبرز الكاتب أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدم من خلال الهجرة نموذجًا فريدًا في الجمع بين الإيمان العميق والتخطيط الدقيق، حيث تجلت معاني الأخذ بالأسباب إلى جانب التوكل الصادق على الله تعالى، وهو ما يشكل قاعدة أساسية في فقه التنمية وبناء الأمم.

فالهجرة، وفق هذه الرؤية، تؤكد أن الإنجازات الكبرى لا تتحقق بالرغبات المجردة أو الأمنيات، بل عبر الإرادة الواعية والتخطيط المحكم والعمل المتواصل.

صناعة الإنسان.. الركيزة الأولى للنهضة

من أبرز الرسائل التي يسلط المقال الضوء عليها أن التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان ذاته؛ فالهجرة لم تكن انتقالًا مكانيًا بقدر ما كانت انتقالًا نفسيًا وفكريًا وأخلاقيًا.

ويؤكد الكاتب أن الإصلاح المجتمعي لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح الفرد، وأن النهضة المستدامة تبدأ ببناء منظومة القيم التي توجه السلوك الإنساني نحو المسؤولية والإنتاج والإحسان.

ومن هذا المنطلق، يستحضر المقال المفهوم النبوي الواسع للهجرة باعتبارها هجرًا لكل ما نهى الله عنه، بما يجعلها مشروعًا أخلاقيًا متجددًا صالحًا لكل زمان ومكان.

إدارة الأزمات وصناعة الأمل

يتوقف المقال عند أحد أهم الدروس الاستراتيجية في الهجرة النبوية، وهو أن الأزمات ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية لمرحلة جديدة من التمكين والنجاح.

ففي أشد لحظات التضييق التي تعرض لها المسلمون في مكة، كانت الإرادة الإلهية تهيئ لهم مرحلة جديدة من البناء والاستقرار في المدينة المنورة.

ويؤسس هذا المعنى لثقافة الأمل الإيجابي التي تعد من أهم مقومات الاستقرار النفسي والاجتماعي، حيث يغرس في النفوس أن التحديات يمكن أن تتحول إلى فرص، وأن الأزمات قد تكون بوابة للإنجازات الكبرى إذا أحسن التعامل معها.

الدولة في المدينة.. نموذج مبكر للحكم الرشيد

يقدم المقال قراءة لافتة لتجربة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة باعتبارها نموذجًا متقدمًا في التنظيم المجتمعي والحكم الرشيد.

فقد قامت الدولة الناشئة على مبادئ العدل والمساواة والتكافل الاجتماعي واحترام الحقوق وتحمل المسؤوليات، وهي المبادئ التي جسدتها وثيقة المدينة المنورة التي تعد من أقدم الوثائق الدستورية والتنظيمية في التاريخ.

وتكشف هذه الإشارة عن البعد القانوني والمؤسسي للهجرة النبوية، باعتبارها لحظة تأسيس لنظام اجتماعي وسياسي قائم على التعايش السلمي وسيادة القانون وتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة.

الهجرة وفقه البناء المعاصر

لا يكتفي المقال باستحضار الماضي، بل يسعى إلى إسقاط معاني الهجرة على الواقع المعاصر، حيث تواجه المجتمعات تحديات فكرية وأخلاقية واقتصادية متسارعة.

وفي هذا الإطار، يدعو الكاتب إلى استلهام روح الهجرة من خلال الانتقال من التعصب إلى الاعتدال، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة العمل والإنتاج، ومن الانشغال بالنقد السلبي إلى الإسهام الفاعل في البناء والتنمية.

وتعكس هذه الرؤية فهمًا معاصرًا للهجرة بوصفها أداة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة المسؤولية والمواطنة الفاعلة.

الأردن وقيم الاعتدال والاستقرار

كما يربط المقال بين قيم الهجرة النبوية وتجربة الدولة الأردنية الحديثة، مشيرًا إلى أن قيم الوسطية والاعتدال والتسامح وسيادة القانون شكلت مرتكزات أساسية في مسيرة الأردن نحو الاستقرار والتنمية.

ويؤكد أن حماية الأسرة وصون الحقوق وتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ المسؤولية المجتمعية تمثل امتدادًا عمليًا للمبادئ التي جاءت بها الرسالة الإسلامية، وتجسدت في تجربة الهجرة النبوية المباركة.

خلاصة

يقدم مقال سماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ نهار الربطة قراءة فكرية متوازنة للهجرة النبوية، تتجاوز البعد التاريخي إلى استحضار دلالاتها الحضارية والإنسانية والقانونية.

فالرسالة الجوهرية التي يحملها المقال تتمثل في أن نهضة الأمم لا تصنعها الموارد وحدها، وإنما تصنعها منظومة القيم التي تتحول إلى سلوك، والإيمان الذي يتحول إلى عمل، والرؤية التي تتحول إلى مشروع حضاري قادر على بناء الإنسان وإعمار الأرض.

ومن هنا تبقى الهجرة النبوية مدرسة خالدة في صناعة الأمل، وإدارة التحول، وبناء الدولة، وترسيخ القيم التي تشكل أساس استقرار المجتمعات وازدهار الأمم عبر العصور.

المصدر

الهجرة النبوية.. حين تصنع القيم نهضة الأمم تاريخ : 2026/06/15

آخر تحديث:
وسوم: مدونة, مقالات
تنبيه وإخلاء مسؤولية
إخلاء مسؤولية: إن النصوص والمقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعتبر استشارات قانونية ولا ترتب أي علاقة قانونية مع القارئ، وإن كل ما هو مكتوب هنا هو للاسترشاد به وللقراءة فقط، وقد يحتوي معلومات خاطئة لا تتناسب مع قضيتك، وننصحك بالرجوع لمحاميك للحصول على استشارة قانونية دقيقة.